هل تسطتيع النهضة تشكيل حكومة وفاق؟

تاريخها الذّي بقي شاهدا على أخطائها، أصبح حجرة تعثّر في طريقها إلى الحكم، بعد فوزها في الإنتخابات التشريعيّة بأغلبيّة المقاعد في مجلس النوّاب الجديد، 52 مقعدا، وجدت حركة النهضة  نفسها أمام حتميّة تشكيل الحكومة والعودة إلى سياسة الحوار والتوافق مع الأحزاب لتنجح في ذلك.

سياسة التوافق التي إنتهجتها النهضة في حكومة الترويكا بين جانفي 2012 وجانفي 2014، وصولا إلى مرحلة التوافق بعد إنتخابات 2014، ساهمت في اندثار وتفكّك العديد من الأحزاب، وعلى رأسهم حركة نداء تونس. اليوم بات واضحا وجليّا أنّ الأحزاب التي من الضروري أن تساهم في تشكيل الحكومة أصبحت تحبّذ عدم التحالف مع النهضة وتسعى للحفاظ على إستمراريتها، وكأنّ النهضة نار تحرق كلّ من يقترب منها، حتى أنّ أغلب الأحزاب أبدت رغبتها في المشاركة في الحكومة المقبلة ولكن بشروط تخوّل لها فرض سلطتها وتسيير قراراتها بعيدا عن سلطة النهضة. 

على الرّغم من فشلها في الحوار والتشارك في الحكم وتاريخها الحافل في هتك الأحزاب وتدميرهم شاهد عليها، حاولت حركة النهضة جسّ نبض بعض الأحزاب التي حصلت على مقاعد هامّة في البرلمان، وكان التيار الديمقراطي أوّل الرافضين لها ولحكومتها التي تسعى لتشكّلها. النهضة وجدت نفسها أمام شروط تعجّز وتحطّ من قوّتها، نظرا لإشتراط التيار الديمقراطي أن يكون رئيس الحكومة المقبلة مستقلّ ولا ينتمي إلى أيّ حزب من الأحزاب المشكّلة للحكومة، بالإضافة إلى التمسّك بمطلب التمكّن من الوزارات الثلاث، وزارة الداخلية والعدل والإصلاح الإداري للقبول بالمشاركة في تشكيل الحكومة.

من ناحية أخرى، حاولت النهضة أن تجد حلا مع حركة الشعب ودقّت باب النقاش والحوار، حيث توجّه زعيم الحركة راشد الغنوشي  ونائبه علي العريض لمقرّ حركة الشعب والتقيا بالأمين العام للحركة، زهير المغزاوي وعضوا المكتب السياسي سالم الأبيض وهيكل المكي، حيث تبادل الوفدان وجهات النظر حول الوضع السياسي وظروف وإكراهات تشكيل الحكومة. ولكنّ هذه الزيارة والمحاولة للوصول لإتّفاق فشلت، بعد أن أصدرت حركة الشعب بيانا يوم الخميس الفارط، أكّدت فيه  أنّها لن تشارك في حكومة تترأسها أو تشكّلها حركة النهضة. وتمسّكت الحركة في رأيها في تشكيل حكومة تترأسها شخصية وطنية ذات كفاءة ويكون لهذه الحكومة برنامج محدّد ومفصّل زمنيا ويسندها طيف واسع من الحساسيات البرلمانية والسياسية والشعبية وهي ما بات يعرف لدى الرأي العام بحكومة الرئيس.

وواصلت الحركة سلسلة لقاءاتها مع الأحزاب مثل ائتلاف الكرامة الذي سنحت لممثّليه الفرصة ليكونوا نوابا في البرلمان الجديد، نواب لغتهم القوّة والشتم والتهكّم على أعراض الناس ويزعمون انتمائهم الثوري، على غرار ماهر زيد الذي نشر خبرا زائفا مفاده إحالة زوجة رئيس هيئة مكافحة الفساد، مريم عزوز، على أحد مكاتب التحقيق بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي للتحقيق معها في شبهات تبييض أموال. من ناحية أخرى أعلنت حركة النهضة أنّها لن تتحالف مع حزب عبير موسي لأنّ الدستوري الحرّ لا يزال يمجّد الديكتاتوريّة وهو حزب فاشي حسب تصريحات قيادات النهضة، أيضا أكّدت النهضة أنّها لن تتحالف ولن تتشاور مع حزب نبيل القروي، قلب تونس، نظرا للشبهات الفساد التي تلاحقه. 

حركة النهضة تعيش انفصاما وانكسارا داخلها، فهي اليوم تبحث عن المشاورات والتحالفات مع الأحزاب لتجد حلا في تشكيل الحكومة ولكنّها في نفس الوقت لم تجد حلا للأزمة التي ضربت هياكلها وقياداتها. إنّ البعض من قيادات النهضة على غرار نورالدين البحيري وعماد الخميري، وعبد الحميد الجلاصي، استغلّوا مرورهم في المنابر الإعلاميّة وعبّروا عن ولائهم لزعيمهم الغنوشي وأحقيّة النهضة في تشكيل الحكومة وترأسها أيضا وشدّدوا على أنّ الغنوشي هو الأجدر بترأس الحكومة ولما لا حتى ترأس الدّولة. هذا الشّق الوفي للغنوشي وسياسته الإقصائيّة، ولكنّ الطرف الآخر من قيادات النهضة، ثوريّي النهضة، كانت نظرتهم مختلفة وولائهم منقوص لزعيم الحركة، فهم اختاروا التفكير بعقلانيّة ابتعادا عن العاطفة وسياسة التغوّل. 

على غرار القيادي في الحركة سمير ديلو الذي صرّج أنه لا يُمكن إكراه أيّ طرف على القبول بقرارات يرفضها،  وشدد على أن الوضع الحالي لا يُخول لأي حزب أن يحكم بمفرده حتى ولو تحصل على 109 من المقاعد، واعتبر أنّ الجميع في مأزق، مؤكدا أن الوضع لا يحتمل الانتظار ولا يحتمل التأخير، مشيرا إلى خوفه من إعادة الإنتخابات التشريعيّة قائلا ”إن أبغض الحلال في الديمقراطية إعادة الانتخابات”، معتبرا ذلك ليس في مصلحة أي طرف وليس في صالح البلاد. ويرى النائب في البرلمان الجديد عن دائرة بنزرت سمير ديلو، أنّ شخصيّة رئيس الحكومة يجب أن تكون ذو كفاءة اقتصادية غير حزبية كما  لا يجب أن تكون من التكنوقراط، وأكّد على ضرورة أن تحظى شخصية رئيس الحكومة باحترام كل الشركاء في الأحزاب. 

بالإضافة إلى ديلو، أفاد القيادي بحركة النهضة محمد بن سالم أنّ رغبة الشقّ الآخر في الحركة بترأس الغنوشي لرئاسة الحكومة هو خيار غير ناجح، وأكّد في تصريحاته الإعلاميّة أنّه من الصعب قبول رئيس الحركة راشد الغنوشي رئيسا للحكومة من قبل الشركاء السياسيين، وأشار إلى أنّه  يحقّ للأحزاب التي يمكن أن تشارك في الحكم إبداء رأيها في شخصية رئيس الحكومة، كما أنّه من حقّ النهضة أن تقترح شخصيات من داخلها التي يمكن أن يكون حولها إجماع على غرار سمير ديلو وعبد اللطيف المكي و كذلك راشد الغنوشي.

بن سالم عبّر عن رأيه بكلّ عقلانيّة وقال أنّه غير موافق على مقترح تولي رئيس الحركة راشد الغنوشي رئاسة الحكومة  خاصّة وأن الفترة الحالية تتميز بعودة التيار الثوري، قائلا ”من برع في سياسة التوافق في فترة معيّنة لا يمكنه أن يكون رجل المرحلة حاليا”، وأشار  إلى أنّ سمير ديلو وعبد اللطيف المكي وآخرون صلب الحركة مؤهلون لرئاسة الحكومة القادمة.

13 نوفمبر 2019، موعد إعلان هيئة الإنتخابات عن النتائج النهائيّة للتّشريعيّة، وبعدها بأسبوع تصبح النهضة مطالبة بتشكيل الحكومة وعرضها على رئيس الجمهوريّة. وسط هذه النزاعات داخل الحركة وخارجها وسياسة الترهيب والتهديد التي تعتمدها النهضة، أيّ مصير ينتظر الحكومة المقبلة؟ 

مقالات مرتبطة